أحمد ايبش
76
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
وبهذه البلدة قلعة يسكنها السّلطان « 1 » منحازة في الجهة الغربية ، وهي بإزاء باب الفرج ، وبها جامع السّلطان . وبهذه البلدة قرب مائة حمّام ، وفي أرباضها نحو أربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها ، وهي أحسن البلاد للغريب لكثرة المرافق ، وأسواقها من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما ولا سيما قيساريّتها . وأهل دمشق يمشون أمام الجنازة بقرّاء يقرأون القرآن بأصوات شجيّة وتلاحين مبكية برفيع أصواتهم ، وكلهم يمشون وأيديهم إلى خلف ، قابضين بالواحدة على الأخرى ، ويركعون للسّلام على تلك الحالة ، والمحتشم منهم من يسحب أذياله على الأرض شبرا ويضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى . ويستعملون المصافحة إثر الصلوات لا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر . ودمشق جامعة لصنوف المحاسن وضروب الصناعات وأنواع الثياب الحرير كالخزّ والديباج النّفيس ويتجهّز به إلى جملة الآفاق . وفي داخل دمشق [ و ] على أوديتها أرحاء كثيرة جدّا « 2 » . وبها من الحلاوات ما لا يوجد بغيرها ، وأهلها في خصب أبدا . وهي أعزّ البلاد الشّامية وأكملها حسنا . وكان الوليد فرش داخل المسجد بالرّخام الأبيض المختّم باللازورد تختيما متداخلا من أصل الحلقة ، وحيطان المسجد بالفسيفساء وسقفه لا خشب فيه وهو مذهب كله ، وله ثلاث منارات : المنارة الواحدة التي في مؤخّر المسجد [ واثنتان في غربه وشماله ؛ والمسجد ] مذهب كله من أعلاه إلى أسفله ذهبا وفسيفساء .
--> ( 1 ) لا يعني ذلك أن السّلطان المملوكي كان يقيم بدمشق ، بل ينزل بها أو بالقصر الأبلق ( موضع التكيّة اليوم ) أو بدار الذّهب ( موضع قصر العظم اليوم ) إن زار المدينة ( كزيارات السّلطانين الظاهر وقايتباي ) . فدمشق لم تكن في عهد المماليك قاعدة للسّلطنة ، ومنذ أن أسّس السّلطان النّاصر صلاح الدّين دولة بني أيوب في عام 570 ه جعل عاصمتها القاهرة ، وبقيت كذا إلى نهاية عهد الدّولة الأيوبية عام 648 ه ، وقيام السّلطنة المملوكية في أعقابها . ثم استمرّت أيضا إلى سقوط الدّولة المملوكية في عام 922 - 923 ه . ( 2 ) كنا في بحث « خطط ريف دمشق » اكتشفنا مجموعة من الطواحين تعود لعهد المماليك .